عبد الله الأنصاري الهروي
364
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
[ الدّرجة الثالثة إلهام يجلو لعين التّحقيق صرفا ] الدّرجة الثالثة : إلهام يجلو لعين التّحقيق صرفا ، وينطق عن عين الأزل محضا ، والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها . ( 1 ) التّحقيق له عين تخصّه ، وهي عين يكون الحقّ بصرها ، وهي ترى المعاني الغيبيّة والشهاديّة لأنّها بالحقّ الذي هو عالم الغيب والشّهادة ، فهذا الإلهام المختصّ بهذه الدّرجة هو يجلو الأشياء لهذه العين التي هي التّحقيق . قوله : صرفا ، أي لا يمازج شيئا من إدراك العقول ولا الحواسّ ، بل إدراكها إدراكا إلهيّا صرفا ، ولذلك كان النّاطق عن هذا الكشف لا يفهم عنه أحد إلّا من هو معه في الحقيقة ، ولذلك أنّ صاحب هذا الذّوق يخالف العلماء كلّهم ، أهل المنقول وأهل المعقول . أمّا أهل المنقول فإنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم خاطب النّاس على قدر عقولهم وهي محجوبة ، فخاطبهم على لسان الحجاب ، فأهل هذا الخطاب لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب . وأمّا أهل المعقول فإنّ علومهم من الفكر ، والفكر من عالم النّفس ، وإنّما يتعيّن التّحقيق بعد اضمحلال رسم النّفس ، فلا جرم أنّ أهل المعقول لا يدركون ما يقوله صاحب إلهام التّحقيق بالذّوق . قوله : وينطق عن عين الأزل محضا ، ينطق بالحقّ الأزل محضا ليس فيه شيء من أطوار الملائكة ، ولا غيرهم من البشر ، فلغة هذا النّطق هي لغة الأزل محضا ، وبها يتكلّم الحقّ تعالى في قلوب عباده ، ليتعرّف منها إلى المحجوبين ، وهي القلوب التي لا تقف في شيء ، ولا يقف فيها شيء ، فإنّها بيوته التي يتكلّم فيها بحكمته ، ويتعرّف منها لخليقته .